نهنئك بيوم ميلادك الثاني والعشرين!

إضاءة هاتفي تشير أخيرًا، يلحقها صوت جرس البريد الإلكتروني في هاتفي النقّال، مُعلنًا عن رسالةٍ جديدة. هذه المرة من شبكة فيسبوك، تهنئني بيوم ميلادي، افتح الرسالة، أتعبّر صفحتي الرقمية التي أهملتها لسنواتٍ، كتابات عتيقة، أصدقاء قدماء، أيّام خالية من الهموم تقريبًا، مرحة في لحظاتها، رغم صعوبتها. تستوقفني صورة تجمعني بأسرتي مع من افتقدناه. أُحَدِقْ النظر بعيناي (المنهمكتان) مع تركيز أفعمه الشوق والحنين، أواصل التحديق، ثم أبدأ باستعادة الذكريّات، عبر شريط غشاه التراب، وطغى عليه الزمان. دُموع أخي عبدالمجيد، مرح الطفولة في العنود، انشغال أخي عبدالرحمن بترتيب (غترة) عبدالإله، وابتسامة الجنة وهي تأشر لنا بالاستعداد للتصوير.
جاءت الصورة عشوائية، لم أكن مستعدًا لها، لانشغالي بتصرفات أختي الطِفلة.

العنود كانت البنت الوحيدة، والأخيرة في بيتنا آنذاك، من بين أربعة أولاد.
(بييييب)! انقطع ذلك الشريط الشائخ، بعد تجاوزي لإشارة المرور، على غفلة من أمري؛ لغوصي في عالم الذكريات. ثم أعود لا إراديًَا إلى عالمي المُر دائمًا.
أُدير مُؤشَّرَ المذياع لعل شيئًا يَكُفَّني عَنْ الذكريات، لأن الأخيرة أصبحت كالكوابيس لازدِحَامِها بعرض شريط أبي رحمه الله. إذاعة روتانا FM تَبُث أغنية (الله يا الأيّام) لعبدالكريم عبدالقادر، اعدت دوّمًا أن يتلوث سمعي بأغنياتٍ حديثة، تحمل معانٍ هشّة، موسيقى سطحية، وإيقاعات مملة. صديقي صُهَيّبُ الصالح دائما يردد لي “أن أغنيات عبدالكريم عبدالقادر تخاطبك بشكلٍ مُباشر”، كُنتُ أخالفه وأبرر ذلك له، بأنه مُعجبٌ بفنهِ، فقط لا غير. هذه اللحظة فهمت ما يقصده صديقي العميق في ذائقته الفنّية. لا إراديًا أتوجّه بالسيارة إلى (بيتنا القديم).
أبو خالد بلحنه وصوته، أعاد لي شريط الذكريات مرة أخرى، “تأخرنا على عمّي” صوت أبي الذي لم أنسه يوما ينادي. كان اليوم الجمعة، واعتدنا في مثل هذا اليوم أن يجتمع أعمامي في بيت كبير العائلة (عمي سعد) ولا عزاء للغائبين، على حدِّ قوله. “وش صار على بناية بيتنا الجديد” أمي تسأل أبي، والأخير يرد “اليوم الدَّهان طلب مني استكمال المبلغ” ثم لحقها بـ(هفهفة) شفتيه.
نَمُر بطريقٍ مؤقت أسميناه بـ(العنود) وهو طريقٌ مُختصر، يشق وادي حنيفة، أمي أول من أطلق ذلك؛ لأن أختي المدللة كانت تخاف عند مرور أبي عليه.
مُكالمة من والدتي تقطع الشريط مرةٌ أخرى، تَطلبُ مني شراء بعض الأغراض، لوجود ضيوف في بيتنا اليوم.
-أبشري يا يمه.
-صوتك ضعيف الْحيلة “وش فيك يا وليدي؟”.
-لا ما فيني شيء.
تنهي أمي المكالمة كعادتِها بـ”الله يخليني لكم ويخليكم ليّ”.

أصِل إلى حارتِنا القَديمة. أنظر إلى البيت، لم يتغير فيه شيء من فعل الإنسان، شَاخَ بِه الزَّمن، وتعرّت بِه العَوامِل، اِشّهَبّتْ بِنايته، وكأنه يعاتبني على الانقطاع. لم أعد أتماسك، تستنزف روتانا FM ما تَبقى من تماسكي بصوت عبدالكريم، ثم تعاقبني بذكريات ليس هذا الحينُ لاسترجاعِها “الله يَا الأيَّام .. ما فيها يعني كَلَّام .. ختامها دَمّعة.. هذا أخر الأحلام .. حسافة والله حرام .. لمّتنا والجمعة”.
لا زِلت مستمرًا في عالم الذكريات، عيناي لا تستطيع إيقاف الدموع، والأخيرة تتدفّق بغزارة، تصل حتى منتصف رقبتي، وكأنها تحررت من قيودٍ اجتماعية عيَّبت بُكاء الرِجال! كلمات أبو خالد هزّت مشاعري مجددًا، تُدَاعبها العبارات، والدموع مستمرة! هذه المرّة شفتاي تشارك اللحظة بابتسامة متأخرة.
يقسو عليَّ عبدالكريم بصوته اللطيف على المحبين، والقاسي على الفاقدين، بذِكرِه “هالبيت وش زينه .. وش زينها سنينه” يواصل طُغيانِه “البيت ذاك البيت .. وسكته سهلة .. أموت لا مرّيت .. من شوقي لأهله”.

لا زلت مستسلمًا لصوت أبو خالد، وللذكريات، مستسلمًا تمامًا، سنّدت رأسيّ على مُوجّه السيارة (الدراكسون)، أتبعتُ ذَلِكَ بزفرةٍ عَمِيقة جدًا، أعادتني إلى ذلك الواقع الكئيب. استخرجت محرمًا (منديلًا)، أمسح بها عيناي، ممرًا بها على جفناي الملتهبتان، جرّاء غزارة الأنداب المُتلاحِقة، التي جَرَتَ عل تفاصيل وجهي الشاحِبْ.
ثم …

عبدالملك بن خالد الداوود
22 من تموز 2016
الرياض، ظهرة البديعة، على ظهر كُرسي بحديقةِ الصداقة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s